مداعبة



كلبانا يتبادلان المداعبة، ونحن نتبادل النظرات. ماذا يرى الرجل؟ لا أدري.
هو، لا أدري، ماذا يرى، وأنا أرى تضاريس بشرية تشي بانتماء جغرافي مختلف.
عن ماذا يبحث الرجل؟ لا أدري.
هو، لا أدري، عن ماذا يبحث، وأنا أبحث، في كل سنتيمتر من بشرته البيضاء، من شعره الأشقر، من سحنته المتوقدة، عن خريطة البلاد التي أنجبته.
طويلا أرنو، طويلا أبحث، وإذ نادى كلبه ب:"TAriK" أتاني الجواب من لكنته الفرنسية.
     كلبانا يمرحان، يتسابقان، أما نحن فلا نبرح مقعدينا.
عن ماذا يبحث الرجل في تقاسيم وجهي؟ عن ملامح بلادي؟ ربما...
هو، لا أدري، عن ماذا يبحث، وأنا أبحث، في كل سنتيمتر من خريطة وطنه، في كل شبر من الثلوج البيضاء التي تغطي أرض بلاده، في الجبال، في الوديان، في الحقول، في الغابات، عن سر الأشواط التي تفصل حضارتهم عن حضارتنا.
طويلا أفكر، طويلا أتأمل، وإذ أخرج شيئا من محفظته، أتاني الجواب من الكتاب الذي انفتح بين يديه.
   كلبانا يملآن الحديقة صخبا، ونحن نملأ الفضاء صمتا. ماذا يقرأ الرجل؟ هل في ما يقرأ سر اختلافنا لا أدري.
هو، لا أدري، ماذا يقرأ، وأنا أحاول التجسس من بعيد على غلاف كتابه علي أجد جوابا لسؤالي. وحين رفعت عيني نحو عينيه المركزتين على الصفحات، أتاني الجواب من نظراته الصادقة التي ترنو طويلا إلى الكلمات. هل هو صدق القراءة؟ ربما...
كلبانا، لا مسافة تفصل بينهما، ونحن مسافات ومسافات تفصل بيننا، مسافات من الصمت، من الفراغ، من الهواء، من الأديان، من الأفكار، من اللغات المختلفة، من العداء...
في ماذا يفكر الرجل؟ في سر تخلفنا؟ ربما...
هو، لا أدري في ماذا يفكر، وأنا أفكر في سر الحواجز التي تفصل بيننا، في سر المسافات التي تفصل بعضنا عن بعض. أبحث عن منتهی صدق الرجل إن كان هناك منتهى، وعن امتداده اللامتناهي إن كان هناك امتداد لامتناه.
وإذِ اخترق فضاء الحديقة، فجأة، خفق نعل امرأة، تجتاز، الآن، مربعات الرصيف الذي يفصل عشب جهتي عن عشب جهته، ارتفع صوتها منتشلا الرجل من عالم آخر منصهر داخل الكتاب... صوتها الذي اخترق فضاء الحديقة مناديا بنبرة مرتفعة: "Jacques"، جعلني أدرك، سر الفرق.
هو، لا يعرف أني عرفت السر، لأنه لا يعرف في ماذا أفكر، لأنه لا يعرف أني أدعى "طارق" وأن كلبي اسمه "جاك".