مرحبا بك أيها القارئ الكريم، في المــــــــــرايا، ربما ستجد فيها، إن صمدت، وأنت تعبر متاهاتها المتشعبة والمخيفة، شيئا خفيا... ربما ستجد ظلك أو قرينك، وربما يحالفك الحظ فترى وجهك، وربما ستصير عيناك أعينا بقدر ما ستنعكس، وبقدر ما ستتضاعف وأنت تحلم، ربما ستصير جوقة وأنت واحد!
مرحبا بك في الكون الذي اختلقه سعيد رضواني 
من عرق ومداد ومرآة.









دمية السليكون، المشهد السادس



أفكر في الأسر، فتدعوني طقوسه المميتة إلى حجرة باردة، إلى حيث أجلس أنا الآن بين جدران يجتاحني فيها على الدوام نباح كلب غريب كأنما هو آت من زمن بعيد، وتؤنسني فيها دمية من الألياف والسليكون، دمية تكاد تسخر من رغباتي المستميتة في التوازن على القائمتين الخلفيتين للكرسي الذي لا ولن يتوازن أبدا.

                                                                                              

مرايا الأحلام، المشهد الخامس

وجاء النوم سريعا مرة أخرى، فانبعثت الأحلام مشعة، كأنغام صاخبة، تنبعث من قيثارة ذهبية...
هناك في أعماق بحر النوم رأى نفسه متشردا ينام تحت شجيرة دفلى مزهرة، رأى بقراته وأرضه وجاره وجار جاره، رأى نفسه يركض مرحا رفقة كلبه في حديقة، رأى كلبه يتبول على المتشرد، رأى نفسه يستيقظ في حلم المتشرد ويقصد الحمام لينتعش بمائه الدافئ، رأى نفسه رجلا في سيارة يدخن سيجارة شقراء، رأى نفسه كهلا في سيارة دلفينية يدخن سيجارا كوبيا، رأى الجبال والوديان والأنهار والسماء، رآني وأنا أكتب قصته، رآك وأنت تقرؤها، رآني وأنا أراك تقرؤها، رآك وأنت تراني أراك تقرؤها، رأى نفسه يراك تراني أراك تقرؤها، رأى نفسه يغمز فتاة بضوء سيارته، رأى نفسه وهو ينتزعها من تلك السيارة، رأى أشياء وأشياء... رأى أشياء يعجز عن وصفها القلم، وحين رأى يدا تندس تحت مخدة سريره وتستل حافظة نقوده انتفض.. وفتح عينيه فوجد نفسه مستلقيا على مقعد سيارته وقبل أن يسترجع اطمئنانه شعر بشيء ينسل خفيفا من جيب سترته.. تفقد حافظة النقود التي استلها من جورب المتشرد، وحين لم يجدها في مكانها انتفض.. فتح عينيه فوجد نفسه ممددا تحت شجيرة دفلی مزهرة.. ظل منبطحا يتأرجح بين النوم واليقظة.. تذكر جاره وجار جاره.. تذكر أرضه وبقراته فشعر بحنان دافق يجذبه إلى بقراته، وحين تذكر أنها الآن ملك لجاره أغمض عينيه وعاد إلى النوم من جديد، وفي منتصف النوم رأى جاره وجار جاره وبقراته وأرضه وحافظة نقوده وفتاته قد سرقوا منه.. أفزعته هذه الرؤى فانتفض... وفتح عينيه، وعندئذ أحس برطوبة في وجهه، رطوبة تنبعث منها رائحة تزكم الأنف...       
وجاء النوم سريعا، مرة أخرى، فانبعثت الأحلام الجميلة في مخيلته كألحان عذبة تنبعث من ناي حزين...


مرايا الأحلام، المشهد الرابع

فتح بحذر باب السيارة وأطبق على معصم يدها، وإذ هم بالذهاب بها لفتت انتباهه حافظة نقود تطل من سترة النائم. استلها وهو يفكر في أن ما له له وما لغيره له أيضا. تمدد على سريره، ثم التفت نحوها وراح يتأمل نهديها وشعرها المتموج فوق المخدة. ذكره التموج بالاستحمام.
أين سيستحم؟ في البحر؟ لا في الحمام.
بخطى متعبة قصد الحمام.. فتح الأنبوب الرشاش وأخذ ينتعش بالماء الدافئ المتناثر رذاذا بلوريا في أرجاء الحمام... جفف جسمه بفوطة ثم عاد إلى السرير حيث تنام أنثاه في وضع استثار شبقه من جديد، كاد أن يبادر... لكنه قرر أن ينام قليلا ليكرس نفسه لجسدها بعد أن يستيقظ، الجسد الذي سيغذي به جسده الذابل، الذي سيسقي به روحه الذاوية، الذي سيعانق في حاضره 
أمسها البعيد.

مرايا الأحلام ، المشهد الثالث

استلقى على المقعد، وحين التفت كعادته، رآها هناك، على الرصيف المقابل تمشي، رأى مشيتها الرشيقة، رأى قوامها مثل سهم متحفز للانطلاق نحو السماء. وحين رأى اهتزاز ردفيها الذي يموج فستانها فوق تضاريس جسدها لم يعد يرى... وكأن العالم اختفى أو كأن الوجود بكامله تحول إلى امرأة، امرأة واحدة لا شريكة لها، امرأة، أشار لها الآن بيده لكنها تجاهلته.. ثم، وكما خمن، التفتت.. وحين التفتت غمزها بضوء سيارته.. ردت عليه بابتسامة رأى فيها مكرا جميلا.. مبتسما يفتح باب سيارته.. مبتسمة تصعد.. تطبع قبلة على خده الأيمن. ترى رسم فما هناك فتبتسم. يناولها علبة بيرة ويأخذ هو علبة أخرى... ولأنه يشعر بالتعب استأذنها في نوم قصير.
رويدا، رويدا طفق النوم يجتاح أجفانه المتعبة، وبعد لحظات غاص في سبات عميق فانسابت الأحلام الوردية كأنغام شجية تنبعث من مزمار نشيط...
وفتح عينيه، وعندئذ، أبصر عالما لم يره من قبل، وأحس برطوبة في صدره، رطوبة تنبعث منها رائحة طيب ينعش النفس. والأعين، التي انفتحت أجفانها على سيارة تحضنه وعلى فيلا تحيط به ظلت مشدوهة مدهوشة. استغرب الأمر. فلا شيء مما يراه الآن أطبق عليه أجفانه قبل أن ينام. ولا غفا ولا نام، ربما، أصلا؛ فلا لحظات ما قبل النوم، ولا حياته كلها، تحتمل وجودا سابقا يتذكره. فقط، يتذكر مجموعة من الأحلام، وكأنما الآن، الآن فقط، قد ولد. لا، لا، لم يولد الآن، ففي ذاكرته لغة وعالم وأفكاره فقط، كأنما ظل نائما طيلة ستين سنة. ستون سنة من عمر افترضه الآن لنفسه، مثلما افترض ماضيا لا يحتمل الشك ولا يقبل التغيير. ومثلما افترض ذلك، فقد افترض أنه لا بد قد عاد للتو من ضيعته بعد أن استولى على أرض جاره الذي سلبها للجار الآخر، ولا بد أن يعود إلى الضيعة ليحميها من جاره الذي حتما سيرجع في الغد كي يحميها من الجار الآخر الذي حتما سيعود في الغد ليسترجعها من الجار الذي حتما سيعود في الغد ليحميها... ولا بد... ولا بد... ولا بد... ومثلما احتمی بهذه اللابد التي رأى فيها منقذه من الضياع، احتمى من الوحدة بالنظر إلى الحديقة، بالنظر إلى سيارة متوقفة جنب الحديقة، بالنظر إلى فتاة داخل السيارة؛ فتاة تتزين مستعينة بمرآة واقية الشمس، تعيد رسم فمها بأحمر الشفاه، تحاول استعادة جاذبيتها التي أذهبها السكر، التي أخمدها الرجل النائم جنبها. تحاول وتحاول وتحاول... وهو يحدق فيها، يحدق ويحدق ويحدق... وفي المرآة رأته يحدق فيها، رأته يشير إليها.. رآها ترد على إشارته.. رأته يستغرب الأمر.. رآها تومئ له.. رأته ينزل من سيارته.. رآها تستغرب الأمر.. رأته يقصدها.. رآها تفتح باب السيارة.. رأته ينحني كي يكلمها.. رآها تشجعه.. رأته يتشجع.. سمعها تصرح بسكر الرجل النائم.. سمعته يدعوها للذهاب معه.
والآخر، الآخر نائم. وعندما يستيقظ فليذهب إلى الجحيم.


مرايا الأحلام، المشهد الثاني

وفتح عينيه، وعندئذ، أبصر عالما لم يره من قبل، وأحس برطوبة في عنقه، رطوبة تنبعث منها رائحة عطر تزكي الأنفاس. والأعين، التي انفتحت أجفانها على سيارة تحضنه، وعلى فيلا تحيط به، وعلى حديقة جنبه ظلت مشدوهة مدهوشة. استغرب الأمر؛ فلا شيء مما يراه الآن قد أطبق عليه أجفانه قبل أن ينام، ولا غفا ولا نام، ربما، أصلا، فلا لحظات ما قبل النوم، ولا حياته كلها، تحتمل وجودا سابقا يتذكره. فقط، يتذكر مجموعة من الأحلام، وكأنما الآن، الآن فقط، قد ولد. لا، لا، لم يولد الآن، ففي ذاكرته لغة وعالم وأفكار فقط، كأنما ظل نائما طيلة أربعين سنة. أربعون سنة من عمر افترضه الآن لنفسه، مثلما افترض لها ماضيا لا يحتمل الشك ولا يقبل التغيير. ومثلما افترض ذلك، فقد افترض أنه لا بد قد عاد الآن من ضيعته، بعد أن استولى على أرض جاره الذي اتهمه بدين لم يسدده، فأخذ الأرض مقابل الدين. ولا بد أنه عائد في الغد إلى الضيعة كي يحميها من جاره الذي حتما سيحاول استرجاعها. ولا بد... ولا بد... ولا بد... ومثلما احتمي بهذه اللابد التي رأى فيها منقذه من الضياع احتمى بمرآة السيارة كي يتعرف فيها على نفسه. وفي المرآة رأى الوجه العابس، الوجه القانط من الوحدة، رأى خلفه كلبه الذي لم يغنه من الوحدة، رأى يده تسحب علبة بيرة من تحت المقعد، رأى الفم وهو يتجرعها دفعة واحدة، رأى يده وهي تضغط على معدنها بعصبية، وهي ترميها من النافذة، وهي تندس في جيب السترة، وهي تخرج علبة السجائر، وهي تبحث عن حافظة نقوده، فلا تجدها، وهي تبحث عنها في الجيب الآخر، فلا تجدها، في بقية الجيوب، لا تجدها، في صندوق السيارة الداخلي، لا تجدها، تحت فراش السيارة، لا تجدها... يبحث ويبحث ويبحث، لكنه لا يجدها. يغضب، يتوتر، يخمن أن أحدا ما قد مد يده عبر نافذة السيارة المفتوحة واستلها من جيب سترته أثناء نومه. يرتبك، يبحث بعينيه عن السارق حول السيارة، لا يجده. في حيز أوسع، لا يجده. في مجال بصره، لا يجده. يبحث ويبحث ويبحث، لكنه لا يجده. يغضب، يتوتر، يلتفت صوب الحديقة فتصطدم عيناه برجل ممدد تحت شجيرة دفلی مزهرة. يفتح باب السيارة الخلفي ثم الأمامي ويتجه نحوه بخطى سريعة وكلبه وراءه.. يقترب منه الكلب، يشمه ثم يرفع إحدى قوائمه ويرشه.
يقترب هو، منه، يرى انتفاخا في جوربه، يركله، يستيقظ الرجل، يسأله عن حافظة النقود. يحاول الآخر أن يجيب لكن الأجفان كانت مثقلة بالنوم... يدس، هو، أنامله في الجورب المنتفخ فيخرج حافظة نقود. لم تكن حافظة نقوده هو. لكنه فكر، وهو يرى النقود الورقية، في انعدام الفرق، وفي أن ما له له وما لغيره له أيضا. يبحث في الجورب الآخر أملا في العثور على وريقات نقدية أخرى، لا يجد شيئا. في الجورب الآخر، لا يجد غير السبسي وكيس الكيف.. في الجيوب، لا يجد شيئا.. ينتزع الحذاء، لا يجد شيئا.. يرمي الحذاء فوق العشب ويقصد السيارة.



مرايا الأحلام

 ... وفتح عينيه وعندئذ، أبصر عالما لم يره من قبل، وأحس برطوبة في وجهه، رطوبة تنبعث منها رائحة تزكم الأنف... والأعين، التي انفتحت أجفانها على حديقة من الرخام والورود والشجر ظلت مشدوهة مدهوشة. استغرب الأمر؛ فلا شيء مما يراه الآن قد أطبق عليه أجفانه قبل أن ينام، ولا غفا ولا نام، ربما، أصلا؛ فلا لحظات ما قبل النوم، ولا حياته كلها، تحتمل وجودا سابقا يتذكره. فقط، يتذكر مجموعة من الأحلام. وكأنما الآن قد ولد. لا، لا، لم يولد الآن، ففي ذاكرته لغة وعالم وأفكار. فقط، كأنما ظل نائما طيلة ثلاثين سنة. ثلاثون سنة من عمر افترضه الآن لنفسه مثلما افترض لها ماضيا لا يحتمل الشك ولا يقبل التغيير. ومثلما افترض ذلك، فقد افترض أنه لا بد قد حل قبل شهور قليلة ضيفا على هذه المدينة، كي يكد مثل أبناء قريته ويسترجع أرضه التي سلبها منه ذات يوم جاره الذي اتهمه بدين لم يسدده فمنحه الأرض مقابل الدين. لا بد أن يعود إلى أرضه، إلى بقراته التي هي الآن ملك لجاره. ولا بد... ولا بد... ولا بد... ومثلما احتمى بهذه اللابد التي ستنقذه، كما ظن، من الضياع، احتمى من وجع رأسه بسبسيه الذي أخرجه من جوربه، الذي ملأ شقفه بالكيف، الذي امتطى سحائب دخانه وسافر على متنها إلى عوالم أخرى، عوالم لم ترها عين من قبل، ولا خطرت على عقل بشر غير مخدر.
أجفانه، الآن، تتراخى، ورغبة في النوم تجتاحه، وشجيرة دفلى مزهرة تدعوه للاستلقاء تحتها. يقصدها.. يدس حافظة النقود في جوربه، ثم ينبطح تحت ظل الشجيرة ويغمض عينيه منتظرا قدوم النوم.
وجاء النوم سريعا، فانسابت الأحلام الجميلة في مخيلته كألحان 
...عذبة تنبعث من ناي حزين



ذهاب وإياب، المشهد الرابع

أعادتني وثائق أملاكي المرمية عند رأس ابني إلى صوابي. يتغلب سحرها على سحر الكتب. أرمي هذه الكتب، وأرتمي لأحضن أوراقي. بخرت وثائق الأملاك حزني على ابني ودوار السفر والتعب.
جحظت عيناي كمن يخشى أن يعود إلى النوم بعد حلم مخيف، أحسست بيقظة رهيبة، بصفاء شامل يزيل خوذة هلامية عن رأسي.
أحسست يقظة، يقظة في يقظة، ولا شيء آخر غير اليقظة، وكأنما أصابت يقظتي الرهيبة المتوفى بعدوى غريبة جعلت صفرة وجهه الشاحب تتبخر، وحمرته تعود، وقلبه ينبض، ودماءه تجري من جديد، وعينيه تنفتحان.
مذهولا، يتراجع إلى الخلف. يدوس بساطا تركيا ذا مربعات متباينة الألوان. ينزل درجات رخامية ثلاثا. يزيح عينيه عن الكلب، ويزيح الكلب عينيه عنه.
يسلم كتبا ووثائق أملاك إلى وكيل أعمال.
تبتلع الباكيات المأجورات نواحهن. وحيث تنتهي صفوف الرجال، تبدأ صفوف الأشجار. بين صفين من نبات الصبار، يمر متراجعا.
ينظر إلى الساعة الرابعة زوالا.
من أعلى الهضبة، تتراجع، إلى الخلف، حافلة لم تقو على مزيد من الصعود
تتوقف عند مدخل درب يؤدي مباشرة إلى ضيعة. بذهول يصعد الحافلة موليا ظهره تجاه الداخل. تنزلق الحافلة متراجعة نحو الخلف، نحو أسفل المنحدر.
ورغم سن السابعة والثلاثين، أصابته منعرجات الطريق، وتقدم الأشجار السريع، وقرص الشمس المتراجع مع الحافلة، وأحاسيسه المخدرة ببداية دوار...
الحافلة مليئة بالمسافرين. فقط، هو الوحيد الذي يحتل مقعدين، يتبادل الجلوس عليهما كلما ضجر من أحدهما.
ينظر إلى ساعته، الثانية عشرة، الرقاص مستمر في الدوران من اليمين إلى اليسار...
أنزلته الحافلة عند باب مقهى، ثم انعطفت متراجعة باتجاه باب المحطة.
يتراجع باتجاه عمق المقهى.
جمرة سيجارته تبتعد عن مصفاتها، ثم تنطفئ عند رأس السيجارة. يدسها في العلبة ثم يعيدها إلى جيبه.
تتقافز قطع السكر من فناجين القهوة وتطير باتجاه الصحون الصغيرة، وهناك تحط.
يتراجع نحو كرسيه المعتاد ويجلس، يجلس حيث أجلس أنا الآن، ويمحو بقلمه من اليسار إلى اليمين، ومن الأسفل إلى الأعلى ما كتبته، أنا، بلغة الضاد، من اليمين إلى اليسار ومن الأعلى إلى الأسفل، من حروف وكلمات، من جمل وفقرات، منها تشكل ذلك الموت، تلك الحياة الجديدة، منها نسجت هذه القصة.

ذهاب وإياب، المشهد الثالث

في طريقي إلى منزل الضيعة حيث مددوا جثمان والدي، اعترضني كلبه المفضل. في عينيه رأيت حزنا لامتناهيا، في عيني رأى بؤبؤين من رخام.
في طريقي إلى منزل الضيعة حيث مددوا جثمان ابني، اعترضني كلبي المفضل. في عينيه رأيت حزنا لامتناهيا، في عيني رأى نهرا من الدموع. أشفق علي وأشفقت عليه. تماهينا في الإشفاق حتى رأيت نفسي كلبا يرى نفسه إنسانا يرى نفسه كلبا يرى نفسه... وهكذا، دورة لامتناهية من الإشفاق والتعاطف والتآخي...
أرتقي الدرجات الرخامية الثلاث، أفتح بابا فخما من خشب الأرز، يستقبل قدمي بساط تركي ذو مربعات متباينة الألوان. أفكر وأنا أمشي على تلك الرقعة الشطرنجية بأن خطواتي المستقبلية يجب أن تكون مدروسة كنقلة لاعب محترف ماهر. أدخل غرفة نوم أبي حيث مددوا جثمانه. أشعر بأني أدخل أشد العوالم غموضا، حيث اللغز الذي لا حل له.
أرتقي الدرجات الرخامية الثلاث، أدفع الباب، أقصد غرفة نوم ابني حيث مددوا جثمانه. أشعر بغربتي عن نفسي وبرغبة في الذهاب إلى حيث ابني ذاهب.
جنب السرير، أقف عند رأسه. أراه مسجى على ظهره يغطيه إزار حتى العنق. ينام هادئا في شبه اطمئنان، وكأن هذا الموت هو الشيء الوحيد المعقول الذي اقترفه في حياته. أنحني، أهجس له: "جاء دوري لأطردك من الضيعة أيها اللعين". ألتفت نحو الأرض أرى بعضا من الكتب التي خلفتها بالضيعة منذ سنين. أنظر إلى يدي أراها تقبض على وثائق الإرث.
جنب السرير، أقف عند رأسه. أراه مسجى على ظهره يغطيه إزار حتى العنق. يبدو متشنجا، ربما لأن الموت باغته مبكرا. أقبل رأسه، أنظر إلى الأرض، أرى نسخا عديدة من أوراق أملاكي. أنظر إلى يدي أراها تقبض على رزنامة من كتبه.
أعادتني الكتب المرمية عند رأس والدي إلى صوابي. يتغلب سحرها على سحر وثائق الإرث. أرمي هذه الوثائق، وأرتمي لأحضن كتبي. بخرت الكتب فرحي بالميراث ودوار السفر والتعب.
جحظت عيناي كمن يخشى أن يعود إلى النوم بعد حلم مخيف، أحسست يقظة رهيبة، صفاء شاملا يزيل خوذة هلامية عن رأسي.

ذهاب وإياب، المشهد الثاني

تجنبا للدوار غصت بعيني في زرقة السماء اللامتناهية. زرقة السماء أخذت تذوب في زرقة أخرى؛ في زرقة الأقلام المحبوبة التي كان ابني يفضل لونها أثناء الكتابة، زرقة تتلألأ فوق بياض الأوراق، زرقة تنتهي حيث يبدأ اللون الأسود للحروف المطبوعة التي سافر ابني من خلالها إلى الكثير من العوالم والأزمنة. يختلط في ذهني الأسود بالأزرق، بالأبيض، وينبثق منها لون أتمنى أن أتنازل عن كل ما أملك لأملكه.
أعادني إلى واقعي شخير قوي يصدر من أحد الركاب، شخير قوي ومزعج؛ حقيقته لا تقبل الدحض، حقيقته أقوى من أن تتبلبل بوساوسي. لم يكن صاحب هذا الشخير وحدة النائم، بل كل الركاب تقريبا ... فكرت أن من يسافر على مثل هذه الحافلة ليسوا أناسا فقط، بل أضمومة من الأحلام، من الأمكنة، من المصائر المتعددة والمختلفة... آه لو استطعت التسلل إلى هذه الأحلام...
أنظر إلى ساعتي، الرابعة زوالا، وصلت متأخرا بساعات. أنزلتني الحافلة عند مدخل درب يتجه مباشرة إلى الضيعة. دون انتظار أخذت أسير بين صفين من الصبار. بدا لي المنظر جميلا، مألوفا، كما تركته منذ سنين. بخطى حثيثة أسير، وكأن للموت سحرا يجذبني إليه.
أنظر إلى ساعتي، الرابعة زوالا، وصلت متأخرا بساعات. أنزلتني الحافلة عند مدخل درب يتجه رأسا إلى الضيعة. ببطء أخذت أسير بين صفين من الصبار. بدا لي المنظر حزينا، مختلفا عمَّا تركته عليه بالأمس. بخطى بطيئة أسير، وكأن للموت قوة معاكسة تدفعني عنه.
ابتدأت صفوف المعزين أو المهنئين حيث انتهت صفوف الأشجار أسير بين الصفوف كما يليق بأغنى رجل في القرية، رافعا رأسي، دون أدنى تظاهر بالحزن. في عيون الرجال أرى الحسد والاحترام، ومن خلف الصفوف يتصاعد صوت نواح الباكيات المأجورات. عندما اجتزت آخر رجل في الصفوف، سلمني وكيل أعمال والدي الوثائق التي أصبحت بموجبها مالك أملاكه. هجست لنفسي: "ليحزن كل يتامى العالم أما أنا فلا".
ابتدأت صفوف المعزين حيث انتهت صفوف الأشجار. أسير بين الصفوف مثقلا بالأحزان كأفقر رجل في القرية، مطأطئا رأسي، دون أدنى شعور بالعزاء. في عيون الرجال أرى التشفي مجسدا، ومن خلف الصفوف يتصاعد صوت نواح الباكيات المأجورات. عندما اجتزت آخر رجل في الصفوف، سلمني وكيل أعمالي رزنامة من الكتب والأوراق قائلا: "وجدناها معه حيث مات في أحد مقاهي الدار البيضاء". سلمني الكتب والأوراق التي لفرط ولع ابني بها طردته من الضيعة ومن باقي أملاكي. الكتب والأوراق التي تختزل كل عالمه. أجهشت بالبكاء ثم هجست لنفسي: "ليفرح كل أغنياء العالم أما أنا فلا."

ذهاب وإياب

رغم سني العشرين، أصابتني منعرجات الطريق، وتراجع الأشجار السريع، وقرص الشمس المسافر مع الحافلة، وموت أبي المفاجئ، وأحاسيسي المخدرة ببريق الإرث الذي آل إلي، ببداية دوار.
الحافلة مليئة بالمسافرين. فقط، المقعد الذي على يساري ظل خاليا. أنظر إلى ساعتي: الثانية عشرة، تأخرت في الوصول.
أصابتني منعرجات الطريق، وتراجع الأشجار السريع، وقرص الشمس المسافر مع الحافلة، وموت ابني المفاجئ وأحاسيسي المخدرة بالوحدة المتوقعة التي سأعيشها بعد السابعة والخمسين من عمري، ببداية دوار.
الحافلة مليئة بالمسافرين. فقط، المقعد الذي على يميني ظل خاليا. أنظر إلى ساعتي: الثانية عشرة، تأخرت في الوصول.
على مقعدي بالحافلة ظننت أن سفري هذا مجرد حلم. لا أحد يجادل في أن عاملا بسيطا يكد طوال النهار، ثم يلوذ مساء إلى أحد المقاهي حيث ينغمس في كتابة قصص عجائبية، لا بد أن يظن بعد حصوله على ضيعة وفيلات ومعامل، أن هذا التبخر السريع لحياته القاسية هو مجرد قصة. قادني هذا الظن إلى ظن مهلوس، ظننتني، وأنا في الحافلة، أنني في الحقيقة ما زلت جالسا على كرسي المعتاد بالمقهى، وأني، على نحو غير معقول، أتخيلني جالسا على كرسي بالمقهى أتخيلني مسافرا في حافلة أتخيلني على كرسي المعتاد أتخيلني في حافلة أتخيلني... وهكذا إلى ما لانهاية على نحو يثير الدوار...
على مقعدي بالحافلة ظننت أن سفري هذا مجرد حلم. لا أحد يجادل في أن ثريا مثلي يقضي النهار بمكتبه، ثم يلوذ مساء إلى أحد مقاهيه حيث ينغمس في إحصاء أملاكه، وعد أرقام معاملاته، لا بد أن يظن بعد وفاة ابنه الوحيد وسفره في حافلة بعد تعطل سيارته في الطريق، أن هذا التبخر السريع لحياته الرائعة هو مجرد حلم. قادني هذا الظن إلى ظن مهلوس، ظننتني، وأنا في الحافلة، أنني في الحقيقة ما زلت جالسا في مكتبي أتخيلني مسافرا في حافلة أتخيلني جالسا في مكتبي أتخيلني في حافلة أتخيلني... وهكذا إلى ما لانهاية على نحو يثير الدوار...
أدخلني الدوار وتراجع الأشجار السريع، أنا الذي ينقصني الكثير من النوم، في شبه غيبوبة... رأيتني، كما يليق بمن ينام على كراسي المقاهي، نائما على سرير مخملي أحلم بنفسي نائما في حافلة أحلم فيها بنفسي أنام في منزل يشبه القصور أحلم هناك بأني نائم في حافلة أحلم... وهكذا حلم في حلم وكأن الوجود بكامله ليس إلا حلما
أدخلني الدوار وتراجع الأشجار السريع، أنا الذي لديه فائضا من النوم في حالة شرود، في حلم يقظة، وفي هذا الحلم رأيتني كما يليق بمن مل النوم في الأسرة المخملية، نائما على كرسي بمقهى أحلم بنفسي نائما في حافلة أحلم فيها بنفسي نائما على كرسي بمقهى أحلم هناك بأني نائم في حافلة أحلم... وهكذا حلم في حلم إلى ما لانهاية وكأن الوجود بكامله ليس إلا حلما.
تجنبا للدوار غصت بعيني في زرقة السماء اللامتناهية. زرقة السماء أخذت تذوب في زرقة أخرى؛ في زرقة تتلألأ تحت مياه مسبح الضيعة، زرقة تنتهي حيث يبدأ لون عشب أخضر محاط بأرضية رخامية. على امتداد لون الرخام المزركش ينساب بصر ذهني، يلتف، يصعد درجات البيت الثلاث، يجتاز المدخل، يندفع رأسا إلى غرفة أبي الحميمة، الغرفة التي كان يطل من نافذتها على أراضيه ومراعيه وأملاكه.. أملاكي.

دمية السليكون، المشهد الخامس


   أفكر في المشرط، في الخيوط، في الإبر، فأحن إلى طقوس العمل... فتدعوني طقوسه إلى حجرة بيضاء تختلط فيها أنفاسي برائحة الكحول والمورفين، وتضج فيها أسماعي بصرير الآلات المتأهبة للانقضاض، وأعيني فيها تشفق على الجسد المخدر.
أسوي الجسد فوق المحفة، وآمر المشرط والحقن وباقي الآلات ببدء العمل فتتكالب شفرته وشوكاتها وأسنتها على الوجه المتغضن بالوخز والتشريح والشفط والرتق.
أجمل الوجه فيترهل البطن. أجمل البطن فتترهل الأرداف. أجمل الأرداف فتترهل السيقان، أجمل السيقان فيتغضن الوجه... صراع دؤوب بين المشرط والزمن في غرفة بيضاء شهدت عبث جراح بجسد امرأة كلما فتحت عينيها أغلقهما البنج من جديد، وكلما أغلقهما البنج تكالبت عليه شوكات الحقن وشفرة المشرط والإبر بالوخز والتشريح والرتق...
أسوي الجسد فوق المحفة، وآمر المشرط والحقن وباقي الآلات ببدء العمل فتتكالب شفرته وشوكاتها وأسنتها على كامل الجسد بالوخز والتشريح والشفط والرتق...
أجلس قبالتها على كرسي أحاول موازنته على قائمتيه الخلفيتين وأنا أنظر إلى الضمادات التي تلتف كأفاع حول كامل الجسد الذي يبدو مثل مومياء فرعونية. أسمع نباح كلب فأرى في ذلك نذير شؤم، وأفكر أني إذا لم أسمع النباح مرة أخرى فإن المبنجة لن تفتح عينيها، فأظل أترقب سماعه من جديد، يخيم صمت رهيب في فضاء الغرفة ثم ينبعث فجأة نباح غريب، نباح كأنما هو آت من زمن بعيد.. نباح توسمت فيه خيرا، نباح ظللت أصيخ السمع إليه وأنا أنتظر أن تفتح عينيها ...
ولم تفتح عينيها.. أناديها فلا تسمع. أخضخضها فلا تتحرك. أمرر يدي فوق الجسد متحسسا، متلمسا، مرتعشا وإذ تسري برودة الجسد في يدي أدرك أن لقاءنا ذاك كان الأخير.
أقف مرتعشا أتأمل الجسد المسجى.. الجسد الذي رأيت في سكونه جرما وأسفا وندما، الجسد الذي رأيت في رحيله رحيلي، الجسد الذي جعلني أحس بالشفقة على نفسي من الوحدة والأسر، لكن بعد فوات الأوان.




دمية السليكون، المشهد الرابع


ونقضي عشر سنوات هي تفكر في مستقبل الأبناء وأنا أفكر في المشرط، في الملاقط، في السيلكون، فأحن إلى طقوس العمل... فتدعوني طقوسه إلى حجرة بيضاء تختلط فيها أنفاسي برائحة الكحول والمورفين، وتضج فيها أسماعي بصرير الآلات المتأهبة للانقضاض، وتتخدر فيها أعيني بتأمل الجسد المخدر.
أحمل المشرط بيدي اليسرى، فأرى في ذلك نذير شؤم، وأفكر أني إذا لم أحمله باليمنى فإن المخدرة لن تفتح عينيها، فأعيده إلى مكانه وأحمله مرة أخرى بيدي اليمني.
وتفتح عينيها وتراني أنظر إليها؛ أنظر إلى الضمادات التي تلتف كثعابين حول الساقين، فأحس بشفقة عليها، لكن بعد فوات الأوان.
   أحملها إلى البيت، فيستقبلني كلبها الذي ظل يكرهني بنباحه  العدائي المعتاد... وبعد شهر أراها تجلس أمام المرآة طاوية ركبتيها مثل حورية تتأمل ساقيها اللذين أرى في رشاقتهما دعوة للسفر في مفرقهما... فأسافر في متاهات الجسد الذي يهفو للسفر. أسافر متحسسا، متلمسا جسدها الدافئ، وحين أنظر إلى وجهها أرى التجاعيد قد بدأت تزحف عليه، أنظر إلى عينيها فأرى في لونهما البني عبء السنين... أدرك أن أيقونتي الآدمية في طريقها إلى الترهل، فأرى في هذا الترهل دعوة لمشرطي ونداء للخيوط والإبر.     


دمية السليكون ، المشهد الثالث


ونقضي ثلاث سنوات هي تفكر في الأولاد وأنا أفكر في المشرط، في المقص، في المقابض، فأحن إلى طقوس العمل... فتدعوني طقوسه إلى حجرة بيضاء تختلط فيها أنفاسي برائحة الكحول والمورفين، وتضج فيها أسماعي بصرير الآلات المتأهبة للانقضاض، وتتخدر فيها أعيني بتأمل الجسد المخدر.
ينفلت المقص من يدي فأرى في سقوطه نذير شؤم، وأفكر أنه إذا لم يسقط شيء آخر فإن المخدرة لن تفتح عينيها، فأسقط المشرط عمدا.
وتفتح عينيها وتراني أنظر إليها؛ أنظر إلى الضمادات التي تلتف كأذرع الأخطبوط حول الردفين فأحس بشفقة عليها، لكن بعد فوات الأوان.
أحملها إلى البيت، فيستقبلني كلبها الذي ظل يكرهني بنباحه العدائي المعتاد... وبعد شهر أراها تقف أمام المرآة ملتفة حول جسدها مثل فينوس تتأمل ردفيها اللذين أرى في رشاقتهما دعوة للسفر في مفرقهما... فأسافر في متاهات الجسد الذي يهفو للسفر. أسافر متحسسا، متلمسا جسدها الدافئ، وحين أمر بيدي على ساقيها أرى في نحافتهما المفرطة دعوة لمشرطي ونداء للسليكون.

دمية السليكون ، المشهد الثاني



ونقضي سنتين معا؛ هي تفكر في السكن، وأنا أفكر في المشرط، في الخيوط، في الإبر، فأحن إلى طقوس العمل... فتدعوني طقوسه إلى حجرة بيضاء تختلط فيها أنفاسي برائحة الكحول والمورفين، وتضج فيها أسماعي بصرير الآلات المتأهبة للانقضاض، وتتخدر فيها أعيني بتأمل الجسد المخدر.
أسوي الجسد فوق المحفة، وآمر المشرط والحقن وباقي الآلات ببدء العمل فتتكالب شفرته وشوكاتها وأسنتها على الفخذين بالوخز والتشريح والشفط والرتق.
    أحك حاجبا فأرى في ذلك نذير شؤم، وأفكر أني إذا لم أحك الحاجب الآخر فإن المخدرة لن تفتح عينيها، فأحكه عمدا.
وتفتح عينيها وتراني أنظر إليها؛ أنظر إلى الضمادات التي تلتف كشجيرة لبلابية حول الفخذين، فأحس بشفقة عليها، لكن بعد فوات الأوان.
أحملها إلى البيت، فيستقبلني كلبها الذي ظل يكرهني بنباحه العدائي المعتاد... وبعد شهر أراها تقف أمام المرآة خافضة بصرها مثل سيريس تتأمل فخذيها اللذين أرى في رشاقتهما دعوة للسفر في مفرقهما... فأسافر في متاهات الجسد الذي يهفو للسفر. أسافر متحسسا، متلمسا جسدها الدافئ، وحين أمر فوق ردفيها أرى في انتفاخهما المفرط دعوة لمشرطي ورغبة في شفط الدهون.

دمية السليكون


من نافذة الزنزانة أنظر إلى السماء، تدعوني زرقتها إلى معانقة الحرية فأعانقها تحت سماء صيف ولى، حيث أقدامي كانت تحترق برمال شاطئ شهد لقاءنا الأول، أسير جنبها وسط دوائر وهمية يرسمها، بركضه وطوافه حولنا، جروها الذي يحرسها بنباحه علي كلما لامس جسدي جسدها... أنظر إلى عينيها فأرى المياه الزرقاء في لونهما البني تتماوج.. أنظر إلى شعرها فأراه امتدادا للون الرمال الذهبية.. أنظر إلى نهديها فأرى في صغرهما دعوة لمشرطي ونداء للسليكون.
ونقضي سنة معا؛ هي تفكر في الخطوبة، في الزواج، وأنا أفكر في المشرط، في الحقن، في السليكون، فأحن إلى طقوس العمل... فتدعوني طقوسه إلى حجرة بيضاء تختلط فيها أنفاسي برائحة الكحول والمورفين، وتضج فيها أسماعي بصرير الآلات المتأهبة للانقضاض، وتتخدر فيها أعيني بتأمل الجسد المخدر.
أسوي الجسد فوق المحفة، وآمر المشرط والحقن وباقي الآلات ببدء العمل فتتكالب شفرته وشوكاتها وأسنتها على النهود النائمة بالوخز والتشريح والرتق.
   أرمق عبر النافذة طائرا يخترق السماء فأرى فيه نذير شؤم، وأفكر أني إذا لم أر طائرا آخر فإن المخدرة لن تفتح عينيها، فأظل أحملق في النافذة إلى أن يخترق السماء أحد الطيور.
وتفتح عينيها وتراني أنظر إليها؛ أنظر إلى الضمادات التي تلتف كأفاع حول النهدين، فأحس بشفقة عليها، لكن بعد فوات الأوان.
أحملها إلى البيت، فيستقبلني كلبها الذي ظل يكرهني بنباحه العدائي المعتاد... وبعد شهر أراها تقف أمام المرآة رافعة يديها مثل عشتار تتأمل نهديها اللذين أرى في انتفاخهما الجميل دعوة للسفر في مفرقهما... فأسافر في متاهات الجسد الذي يهفو للسفر. أسافر متحسسا، متلمسا جسدها الدافئ، وحين أمر بين فخذيها أرى في انتفاخهما المفرط دعوة لمشرطي ورغبة في شفط الدهون.

وصيتان، المشهد الثاني

زمت شفتيها واختفت ابتسامتها المغتصبة وزاغت نظراتها، ولست أدري إن كانت حواسها ما زالت قادرة على استيعاب هذا الفضاء الذي يؤثثه سرير أبنوسي ودولاب من طراز عتيق وصف من الأرائك وثريا متفرعة المصابيح تعيد للحجرة ضوءها وبهاءها الذي طمسه الليل، وغيرها من الأشياء التي بدت لي، الآن، نفس الأشياء التي كانت تؤثث الفضاء الذي شككت في أن حواسه لم تعد قادرة على استيعابه عندما زاغت نظراته وزم شفتيه واختفت ابتسامته المغتصبة، وتشنجت عضلاته، وانقلبت حمته برودة وبعدها أصبح جسده ساكنا مثلما أصبح جسدها، الآن، بعد أن تشنجت عضلاته وانقلبت حمته برودة، مجرد قطعة من جماد.
لحظة الوقوف أمام جسد ميت يعمل الذهن دون شعور على تأمل تلك الحياة التي انتهت بغية تقييم تجربتها، وهكذا وجدتني دون شعور بالخزي، وربما كان ذلك دفاعا مني عن فقري، أسخر من مسيرة حياتها التي لم يمهلها الموت حتى تستنفذ كل ثروتها مثلما سخرت من مسيرة حياة أبيها الذي لم يمهله الموت حتى يستنفذ كل ثروته التي رأيتها الآن، كما من قبل، أجمل، وهي في الطبيعة تركض قطعانا، منها وهي ممسوخة منازل وفيلات ومعامل وأثاثا ورصيدا بنكيا...
ظللت أحملق تارة في الأثاث الذي بدا لي مجرد مسوخ لجلود كلاب نتيجة صيرورة تجارية طويلة، وتارة أخرى أنظر إلى كلبها الذي ينبعث من نظراته حزن غامض على سكون جسد صاحبته مثلما انبعث من نفس العينين نفس الحزن على سكون جسد صاحبه الذي استأنسه بعد أن غيبت إحدى رصاصات بندقيته أمه عن الغابة.. أنظر إلى هذا وذاك الحزن بحزن وأنا أرى في عيني هذا الكلب صدقا طبيعيا صافيا... وحين أطرقت رأسي لمحت الوصية في يدي.
وفتحت وصيتها؛ وبدا لي مستحيلا أن تتضمن هذه الورقة التافهة المسودة ببضع قطرات من الحبر والمخربشة بمتاهة من الرموز، متاهة من أملاكٍ قفزت بعيني فوقها كي أتعرف مباشرة على الاسم الذي زكاه توقيعها كي يغدو مالكا لأملاكها مثلما قفزت بعيني، حين فتحت وصيته، فوق نفس المتاهة من الأملاك التي تضمنتها ورقة أخرى تافهة لأتعرف مباشرة على الاسم الذي زكاه توقيعه كي يغدو مالكا لأملاكه، ولم أندهش حينها وأنا أرى كامل أملاكه تؤول إلى ابنته "ديانا" مثلما اندهشت الآن وأنا أرى كامل أملاكها تنتقل إلى الكلب البري المستأنس "دوكي".


وصيتان

أعلنت الساعة عن الواحدة برنة حادة متبوعة بصمت وترقب، وكانت هي ممددة على السرير، تارة تتأمل كلبها دوكي، وتارة أخرى تنظر إلي وأنا أصيخ السمع إلى هزيم الرعد وإلى نقرات المطر الذي يتناثر رذاذا على زجاج النافذة، وكأن شيئا خفيا هناك خارج البيت يسخر هذه الظواهر الطبيعية كي تفتح له النافذة، بينما أعيني مشدوهة، مرعوبة، مسمرة على جسدها الذاوي وعلى وجهها المصفر المعلن عن لحظة احتضار... ذكرني احتضارها باحتضاره حين أعلنت الساعة عن الثانية برنتين حادتين متبوعتين بصمت وترقب، وكان هو ممددا على السرير تارة يتأمل كلبه "دوكي" وتارة أخرى ينظر إلى ابنته "ديانا" وطورا ينظر إلي وأنا أصيخ السمع إلى هزيم الرعد وحفيف الريح وهي تسوط زجاج النافذة، وكأن شيئا خفيا هناك خارج البيت يسخر هذه الظواهر الطبيعية كي تفتح له النافذة، بينما أعيني مشدوهة، مرعوبة، مسمرة على جسده الذاوي وعلى وجهه المصفر المعلن عن لحظة احتضار رجل... رجل لا شك أنه كان يستعيد مراحل حياة كاملة أفناها في السفر عبر القارات مطاردا كلابا برية كلما تساقط منها قطيع بطلقات بندقيته سلخ جلودها وعرض فروها للبيع... حدست هذا وأنا أرى احتقاره للموت من خلال ابتسامة ظفر.. ابتسامة ظفر انتزعها من بين شفتيه الذابلتين وهو يرى يدي تتسلم من يده وصيته بنفس الاطمئنان الذي تسلمت به الآن يدي من يدها وصيتها وأنا أراها تنتزع من بين شفتيها الذابلتين ابتسامة ظفر.. ابتسامة ظفر تعلن في خيلاء عن احتقار للموت، مما جعلني أحدس أنها تستعيد مراحل حياة كاملة أفنتها في السفر عبر القارات مطاردة رجلا.. مطاردة أباها الذي انطلق من ثلوج أوروبا وانتهى بصحراء المغرب في سعيه الحثيث وراء كلاب برية كلما محقت إحدى رصاصاته واحدا منها تمنت هي أن تستقر الرصاصة التالية في رأسه هو كي ترث الثروة التي أفنى عمره في سبيل جمعها عبر المتاجرة في فراء الكلاب البرية.. الكلاب البرية التي تساقط العديد منها تباعا أمام عينيها.. الكلاب البرية التي كلما تساقط منها فرد أمام عينيها تأججت رغبتها في موت أبيها سريعا.



نباح ، المشهد الثالث

شعر بانتشاء جراء تحليله لهذا النباح، ورأى أنه خطا بذهنه خطوة خارقة إذ استطاع عبر الصوت، ولا شيء آخر غير الصوت، أن يعرف تفاصيل عديدة عن هذا الكلب الذي لم يره قط. وعبر هذا الصوت فقط، تمكن من رؤية هزاله، وتحديد سنه، ولونه، وصنفه، بل وحتى المحيط الكئيب الذي يعيش فيه.
بغتة، وفي ما كان لا يزال غائصا في خضم هذا الانتشاء، انتابته فكرة جنونية، فقد قرر فجأة أن يصدر هو أيضا صرخة، صرخة تحمل معها كيانه كاملا وتحمل كذلك هذا السطح المتسخ، وتبثهما معا في الفضاء. سيطر عليه هذا المشروع المجنون واستنفذ كل ذرات تفكيره، ولم ينتظر طويلا، فسرعان ما وضع يديه على شكل بوق حول فمه وصرخ، صرخ بكل ما أوتي من قوة، وظل يعاود الصراخ مرات عديدة... وبينما جدران المنازل القريبة تتبادل صدى هذه الصرخات كان هو يستمتع بصراخه. شجعه، على الاستمرار في صراخه هذا، شعور غامض أوحى له بأن أحدا ما يجلس الآن ساهرا في بهو سطح آخر وأذناه تلتقطان هذا النداء... وظل يصرخ ويصرخ ويصرخ إلى أن أدركه التعب، فخنق الصراخ بداخله، وأرهف السمع من جديد. وكان الكلب لما يزل ينبح. وبعد قليل، بَثَّ فيه أنين الكلب إحساسا بأن النباح أشد تأثيرا في النفس من الصراخ. أزعجه هذا الاستنتاج، ففكر على نحو طعم شعوره هذا، بأن الجميع من أبناء جنسه يصرخون، الموسرون منهم والمعوزون، وأن لا أحد من هؤلاء ينصت للآخر. في خضم يأسه هذا بدا له الصراخ مزيفا وعديم الجدوى.
ولأنه كان مصمما على إرسال كيانه وكذلك وضعه الكئيب عبر الفضاء، عَلَّ ذلك الساهر الآخر المفترض يلتقط نداءه كما التقط هو نداء الكلب، فقد أقلقه هذا العجز. لكنه وبعزم لا يعرف الكلل، ظل يفكر في الطريقة المجدية التي تمكنه من تحقيق هذا المشروع، بينما ظلت أذناه ترهفان السمع لنباح الكلب الآتي من بعيد.
وأخيرا، وضع يديه حول فمه كما فعل من قبل وبلا مهانة أو إحساس بالذل، نبح، أجل نبح وظل ينبح، وينبح، والنباح ينتشر، وينتشر في الفضاء مجتازا الكثير من السطوح المجاورة، وفي أحد السطوح التقطت هذا النباح أذنا رجل يضع يديه حول فمه على شكل بوق.


نباح، المشهد الثاني

والليلة تأخر النباح عن وقته المعتاد، فشرع الصمت يثير قلقه، وبعد ما تجاوز الوقت منتصف الليل، بدأ ينتابه اليأس من سماعه مرة أخرى. لكن نهاية يأسه كانت مفاجئة، إذ انبثق في الفضاء عويل حزين، عويل أثار شفقته وجعله يقرر تكريس الليلة بكاملها، للانشغال فقط بمحاولة التوحد مع ذلك الكائن المتواري عن أنظاره.
أسند ظهره مرة أخرى إلى الجدار الخشن، ثم أغمض عينيه محاولا الغوص في عمق ذلك الكائن، الذي يقطن كما حدس، أحد السطوح، إذ أن الصوت كان يأتي، كما بدا له، من الأعلى وليس من الأسفل.
في البدء كانت التصورات التي كونها عن الكلب جد عادية، وفي ما بعد أخذ يحاول تحديد صنفه وسنه وحتى لونه... ورويدا رويدا شرع يفكر على نحو غير عادي: "النباح فقط يستطيع حمل كلب بكامله والسفر به عبر الهواء، ولم لا؟ فها هو يضعه، الآن، أمامي مجسدا في عمق الظلام... إنه كلب عجوز فنباحه تتخلله بحة الكلاب المسنة، إنه كلب عادي ولا شك، فنباحه تنقصه رنة الكلاب الأصيلة والمتميزة، مستحيل أن يكون كلبا ذئبيا أو سلوقيا أو أي نوع أصيل آخر..."
وبينما كان ذهنه سابحا في بحر هذه التخيلات، انقلب عويل الكلب نباحا، وظل يصدر دون انقطاع، بين فينة وأخرى يتخلله أنين ضعيف. في خضم توهّماته تلك أوحى له هذا الأنين بأن الكلب لا بد أن يكون جائعا. وتلقائيا، وجد نفسه يربط هذا الجوع بالهزال، والهزال بالوضع الكئيب المحيط به، وكذلك بالأوساخ التي رآها لازمة من لوازم الجوع والهزال، ثم خلص إلى أن الكلب لا بد أن يكون مريضا أو معاقا مثل الكثير من الكلاب المعاقة التي تتجول في الدروب أو تقطن بعض السطوح القذرة.
أشعل سيجارة أخرى ثم أخذ منها نفسا عميقا وهو يحاول تحديد لون الكلب. وبعد لأي، قرر أن مهمة تحديد اللون من أشد الأمور تعقيدا، ولا يستطيع الصوت أن يتضمنها. خصوصا وأن هذا الكلب ينتمي - كما افترض - إلى الأصناف المتباينة ألوانها، لكنه آثر أن يكون لونه أبيض أو أي لون آخر يطغى عليه البياض، فقد رأى أن هذه هي الميزة الوحيدة التي تسمح للكلاب العادية بولوج المنازل. وشعر بأسف على هذا اللون الذي لا بد قد أصبح، كما فكر، ملطخا أو رماديا أو مائلا إلى السواد بفعل الأوساخ التي لا بد أن تكون قد علقت بفروه.